الصفحة الرئيسية  ثقافة

ثقافة مسرحية "تحت خط الحياة" لمحمد مراد غرسلي: الخوف من الحياة أزاح فكرة الخوف من الموت

نشر في  11 أفريل 2021  (15:38)

شهد مركز الفنون الدرامية والركحية بالقصرين عرض انتاجه الجديد المتمثل في مسرحية بعنوان "تحت خط الحياة" للمخرج  المتميز محمد مراد الغرسلي  الذي  حرص على اخراج هذا العمل المسرحي بطريقة فنية مميزة راوحت بين الواقع والخيال وماهت بين المتضادات من خلال سينوغرافيا حملت في خباياها فلسفة عميقة من الأضواء والألوان والموسيقى مختلقة لغة فنية جديدة و مشفرة جعلها تتجاوز حدود المنطق الانساني السائد  لتكشف بدورها عن ماهية شخوص مسرحية "تحت خط الحياة " والتي بدت أغلبها مشوهة وغريبة الأطوار  ليزج بها في هوة العبث والكوميديا السوداء.  

وبينما تتعددت شخوص مسرحية "تحت خط الحياة" وحّدتها هواجس وأفكار متناقضة تدعو الى القلق والارتياب فبدت في جل المشاهد على حيرة واضطراب وكأنها تحمل على عاتقها مهمة الخلق من جديد.

وقد سعت  هذه الشخوص جاهدة للبحث عن شرعية وجودها في الحياة  لتضيق بها الأمكنة وتتوقف الأزمنة  و تجد  أخيرا الخلاص في مقبرة ما أين تعود كل من " الزقالو " الشاعر والمثقف  وحارس المقبرة الأمي "عمار الحشايشي " الجلوس تحت أسوارها المتداعية لتعاطي المخدرات "الكيف" للهروب من عالم الأحياء ومن واقعهما المتأزم والتدبر في شؤون الانسان عموما  مستأنسين بالقبور ظنا منهما بأن الموتى عاجزين عن افساد متعتهما وسعادتهما الزائفة.

ولكن طمأنينتها تتلاشى عند عودة الأموات الى الحياة من جديد وخروجها من القبور لتظهر "سلوى" الطيف الجميل الذي أثار فيهما الرغبة والخوف والحب، يليه طيف "مسعود" السياسي الفاسد الذي  عمد الى قتل عشيقته سلوى بسبب تهديدها له بكشف "دوسيات" خطيرة تضمر عن تواطئه مع ولد "كعبورة  السمسار" في قضايا فساد مختلفة.

وتختلط الأضواء  في هذا العمل الفني وتتشابك بتشابك الرؤى لتلامس القبور التي تمردت على نطاقها الجامد والمحدود ولتتجاوز خط الحياة النمطي وتكون مكانا خارقا وثقبا ضيقا يمدهم بالأكسيجين  الذي تحول في أغلب المشاهد الى "دخان" و"كريموجان" خانق يوحي بالوضع السياسي المأزوم لدى الشخوص الذين اتخذوا القبور كمنابرا يمارسون فوقها الشعر والرذيلة والسياسة والحب والقضاء، لتبدو مكانا آمنا للأموات والأحياء تمدهم بالحرية المحظورة وتبعدهم عن  زيف الواقع  وتأمن لهم  حرية التعبير وثورة الفكر وتنجيهم من فخ المحاكمة والاقصاء.

تتأزم الأحداث وتتداخل معاني الحياة والموت لدى شخوص مسرحية " تحت خط الحياة" مما يزج بها  في حالة ثورة وهيجان متكرر وكأنها تبحث عابثة عن إيجاد حياة بديلة تنتشلها من الضياع والسقوط في هوة القبور المظلمة..

تتكرر المحاولات بتكرر الأسئلة  و تعاطي "الكيف" وكأن الشخوص تجد طمأنينتها في غياب العقل والاحساس لتتحول الى مجرد أجساد تحركها الرغبة في التخلص من عبئ التفكير في مصيرها المجهول لتنقلب الأدوار أخيرا  ويدرك الأحياء  في آخر النفق  أنهم عاجزين عن الثورة على واقعهم الأليم  وأنهم لا يختلفون كثيرا عن الأموات في خضوعهم وحرمانهم من أبسط مقومات الحياة.

"تتعدى سنين وتتعدى عوام والشعب النوام في الغفلة عوام.." وهذا بدوره ايحاء الى الوضع المتردي الذي يسود مجتمعاتنا اليوم من غياب  للعدل والحرية المسلوبة والثورات الفاشلة وتفشي ظاهرة الفساد بسبب تخاذل الشعب وعجزه اعلى تقرير المصير بنفسه فبدى مغيبا مختنقا  بلا "نفس"، يعاني أزمة غياب الأكسيجين والحرية.

اخراج : محمد مراد غرسلي

نص عبد الحكيم العليمي،

دراماتورجيا : زينة مساهلي .

تمثيل : مقداد الصالحي ، الطيب ملائكي ، زينة مساهلي ، صالح ظاهري و حسام هلالي .

سينوغرافيا: منير سميعي ،/ تصور إضاءة : شاكر قاهري تصور موسيقى : همام تليلي ،

جرافيك : بلال خربوط ،/ ملابس : زينب غرسلي ،

مساعد مخرج : منير سميعي / توضيب ركحي : معز خليفي و محمد نصرلي،

تنفيذ الديكور : يامن عبدلي ، / توضيب انتاج : نزيه قاهري

ادارة فنية : توفيق قسومي / ادارة انتاج : الطيب ملائكي